من الطبيعة إلى الإرادة: في التحوّل الأنطولوجي للقانون الحديث
د. علي محمود الموسوي
Tuesday, 30-Dec-2025 07:24

لم يكن القانون، في أصوله الكلاسيكية، مجرّد تقنية لتنظيم المصالح أو أداة لضبط السلوك، بل كان تعبيراً عن تصوّر شامل للوجود، وعن موقع الإنسان في نظام كوني أوسع منه. فالحق، عند القدماء، لم ينبثق من الذات الفردية ولا من إرادتها، بل من الطبيعة ذاتها بوصفها مبدأً للمعنى، وميزاناً للعدل، وحدّاً لما يجوز وما لا يجوز. لم يكن القانون يُسأل عمّا يسمح به الفرد، بل عمّا يقتضيه انتظام العالم.

هذا التصوّر الأنطولوجي للقانون جعل من العدالة قيمة كونية سابقة على الإرادة، ومن الكرامة صفة نابعة من الانتماء إلى نظام طبيعي - أخلاقي، لا من مجرّد الاعتراف القانوني. لم يكن الإنسان "صاحب حق" بمقدار ما كان "حامل وظيفة" داخل كُلٍّ متوازن، حيث لكل موجود غاية، ولكل فعل حدّ، ولكل تجاوز عقوبة تُفهَم بوصفها إعادة توازن لا انتقاماً.

 

لكنّ هذا البناء الفلسفي بدأ يتصدّع مع انتقال مركز الثقل من الطبيعة إلى الإنسان، ومن النظام إلى الإرادة، ومن القانون الموضوعي إلى الحق الذاتي. لم يعُد السؤال: ما هو العدل؟ بل: ما الذي أريده؟ ولم يعُد القانون مرآة لانسجام كوني، بل أداة لتكريس مطالب فردية متكاثرة، كثيراً ما تتعارض في ما بينها، ولا يجمعها معيار أعلى سوى القوة الإجرائية.

 

في هذا التحوّل، تغيّرت أنطولوجيا الشخص نفسها. لم يعُد الشخص كياناً متجذّراً في طبيعة بشرية ذات معنى، بل تركيباً قانونياً مرناً، قابلاً للتفكيك وإعادة التعريف بحسب السياق العلمي أو السياسي أو الثقافي. تُحدَّد بداياته ونهاياته لا وفق سؤال الوجود، بل وفق ما تسمح به البيولوجيا أو تقتضيه المصلحة العامة أو يفرضه التوازن السياسي. هكذا لم يعُد الميلاد والوفاة لحظتَين وجوديّتَين، بل مسألتَين إداريّتَين - قانونيّتَين.

 

إنّ هذا التحوّل لا يمسّ الفلسفة فحسب، بل يطاول جوهر الثقافة القانونية المعاصرة. فحين ينفصل القانون عن أي مرجعية أنطولوجية أو أخلاقية، يصبح عرضة لأن يتحوّل إلى أيديولوجيا مقنّعة، تُشرعن ما تقرّره القوّة الغالبة، وتلبسه لغة الحقوق والكرامة والحرّية. عندها، لا يعود القانون أداة للحدّ من الطغيان، بل وسيلة جديدة لإنتاجه باسم العقلانية.

 

ويتجلّى هذا بوضوح في مجال العقاب. ففي التصوّر الكلاسيكي، كان العقاب فعلاً ميتافيزيقياً بمقدار ما هو قانوني: ردّاً على اختلال في النظام، لا مجرّد ردع أو إصلاح. أمّا في الحداثة، فقد جُرِّد العقاب من بُعده الرمزي والأخلاقي، وأُعيد تعريفه بوصفه إجراءً إنسانياً أو تقنياً، يُقاس بمدى نفعه أو إنسانيّته الظاهرة، لا بصلته بالعدل ذاته. والنتيجة مفارقة: باسم الإنسان، يُفرَّغ القانون من أي تصوّر حاسم للخير والشر.

 

لا يعني هذا حنيناً ساذجاً إلى الماضي، ولا دفاعاً عن قوانين جامدة باسم الطبيعة. بل هو تنبيه فلسفي إلى أنّ القانون الذي يفقد علاقته بالسؤال الوجودي، يفقد قدرته على أن يكون معياراً، ويغدو مجرّد تقنية إدارة. فالحقوق، حين تنفصل عن تصوّر للإنسان، تتحوّل إلى مطالب متنافسة بلا أفق مشترك. والحرّية، حين تُفهم بلا حدود أنطولوجية، تنقلب إلى إرادة بلا مسؤولية.

 

إنّ التحدّي الحقيقي للفكر القانوني اليوم ليس في توسيع قائمة الحقوق، بل في إعادة طرح السؤال المؤجَّل: أي إنسان يفترضه هذا القانون؟ وأي صورة للوجود تحكمه؟ فالقانون لا يكون إنسانياً لأنّه يعلن نفسه كذلك، بل لأنّه يستند إلى تصوُّر عميق للإنسان، لا يختزله في الرغبة ولا يعلّقه على التقدّم التقني.

 

في هذا المعنى، لا تزال الأسئلة الفلسفية القديمة حيّة، لا بوصفها تراثاً، بل اختباراً. اختبار لقدرة القانون الحديث على أن يكون أكثر من إدارة، وأكثر من توازن قوى، وأن يستعيد - ولو جزئياً - وظيفته الأصلية: أن يكون لغة العدل في عالم مهدّد بفقدان المعنى.

الأكثر قراءة